عبد الرحمن السهيلي

146

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وذكر قول امرأة كعب : والله إني لأعرف في صوته الشر ، وفي كتاب البخاري : إني لأسمع صوتاً يقطر منه الدم . وفيه : ما رأيت عطراً كاليوم ، معناه : عند سيبويه : ما رأيت كعطر أراه اليوم عطراً : كذلك قال في قول العرب : لم أر كاليوم رجلاً ، أي : كرجل أراه اليوم رجلاً ، فحذف ما دخلت عليه الكاف ، وحذف الفعل ، وهو أرى ، وفاعله ومفعوله ، وهذا حذف كثير لا سيما ، وقد يقال : ما رأيت كاليوم ، ولا تذكر بعده شيئاً إذا تعجبت ، فدل على أنهم لم يحذفوا هذا الحذف الكثير ، ولكنهم أوقعوا التعجب على اليوم ، لأن الأيام تأتي بالأعاجيب ، والعرب تذمها وتمدحها في نظمها ونثرها ، ويعلم المخاطب أن اليوم لم يذم لنفسه ولا يعجب منه لنفسه ، فيلتمس منك البيان والتفسير لما تعجبت منه ، فتأتي بالتمييز لتبيين . فعطراً منصوب على التمييز ، والدليل على ذلك أنه يحسن خفضه بمن ، لأنه متعجب منه ، فتقول : لم أر كاليوم من رجل . ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق بعد قوله : فمشوا ساعةً ، قال فجعل كعب ينشد : ربّ خالٍ لي لو أبصرته * سبط المشية أباء أنف ليّن الجانب في أقربه * وعلى الأعداء كالسّمّ الذعف وكرام لو يشنهم حسبٌ * أهل عزٍّ وحفاظٍ وشرف يبذلون المال فيما نابهم * لحقوقٍ تعتريهم وعرف وليوث حين يشتدّ الوغى * غير أنكاسٍ ولا ميلٍ كشف فهم أهل سماح وقرى * وحفاظٍ لم يعانوا بصلف سكنوا من يثرب كلّ ربىً * وسهولٍ حيث حلّوا في أُنف وهم أهل مشاريب بها * وحصون ونخيلٍ وغرف ولها بئرٌ رواءٌ جمّةٌ * من يردها بإناءٍ يغترف ونخيل في تلاعٍ جمّة * تخرج التّمر كأمثال الأكفّ وصرير من محالٍ خلته * آخر الليل مهاريج ندف تدلج الجون على أكتافها * بدلاءٍ ذات أركان صدف كلّ حاجاتي قد قضّيتها * غير حاجاتي في بطن الجرف